الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الجوزاء والخريف

بواسطة azzaman

الجوزاء والخريف

هدير الجبوري

 

ليس كل الناس يستقبلون الخريف بالطريقة نفسها.هناك من يراه مجرد فصل يأتي بعد الصيف، يلاحظ أن الجو بدأ يبرد، وأن المساء أصبح ألطف، وأن أوراق الأشجار تغير لونها وتتساقط. يبدلون ملابسهم، يفتحون خزائن الشتاء، يفرشون السجاد، وينتهي الأمر.

أما أنا، فالحكاية مختلفة معي الخريف يؤثر بي،،منذ أن يبدأ شهر أيلول أشعر أن شيئا يتغير في داخلي، حتى لو لم يتغير شيء في حياتي من الخارج.

ولست أدري إن كان الأمر له علاقة بكوني من مواليد الجوزاء، أم أنني فقط ربطت بين الخريف وبين إحساس خاص ظل يرافقني سنوات طويلة.

لكنني أعرف أنني أنتظر أيلول كل عام.

أنتظره بعد صيف طويل أشعر فيه أحيانا بالكثير من التعب والقلق والخوف والانشغال، وحين يأتي أشعر كأنني أستطيع أن أضع كل ذلك جانبا لبعض الوقت.

ليس لأن المشاكل تنتهي، ولا لأن الحياة تصبح مختلفة فجأة، وإنما لأنني أنا أشعر بأنني أصبحت أهدأ.

الخريف بالنسبة لي يشبه استراحة قصيرة.أشعر معه أن السنة وصلت إلى مرحلة أستطيع فيها أن ألتفت إلى الوراء قليلا، لا لأندم على ما مضى وإنما لأتأمل كم مر من الوقت، وكم تغيرت أشياء كثيرة في حياتنا من دون أن نشعر.

الغريب أن الخريف يحرك الذاكرة عندي بطريقة لا أفهمها.

قد تهب نسمة باردة في المساء، أو أرى ورقة شجر تسقط أمامي، فأشعر أن شيئا قديما مر في داخلي.لا تكون بالضرورة ذكرى محددة،أحيانا يكون مجرد إحساس بشخص، أو مكان، أو أيام بعيدة، أو مرحلة كاملة من العمر.

وكأن الخريف يفتح في داخلي أبوابا لا أفتحها في بقية أيام السنة.ولعل هذا أكثر ما أحبه فيه،أنه يجعلني أتوقف قليلا.

أتوقف عن الركض وراء الأيام وأشعر بالوقت وهو يمر.

وربما لهذا السبب أشعر أن الخريف يعيدني كل عام إلى نقطة الصفر.

ليس بمعنى أنني أبدأ حياتي من جديد، وإنما بمعنى أنني أستعيد نفسي.

أشعر أن أمامي فرصة أخرى لأن أرتب بعض أفكاري، وأترك خلفي أشياء أثقلتني، وأحتفظ بالأشياء التي ما زالت تعني لي شيئا.

الخريف يجعلني أكثر تصالحا مع الوقت.فالورقة التي تسقط من الشجرة لا تخيفني، وتغير الأيام لا يخيفني كما كان يفعل من قبل.

ربما لأننا مع العمر نفهم أن بعض الأشياء لا بد أن تتغير، وأن بعض المراحل لا يمكن أن تبقى كما هي.

وهذا لا يعني أنني لا أحن،أنا أحن كثيرا لكن حنيني في الخريف مختلف، ليس حنينا إلى شيء واحد، وإنما إلى إحساس كامل مضى وانتهى، وبقي منه شيء صغير في داخلنا.

لهذا أحب هذا الفصل.أحب مساءاته، وبرودة هوائه، وتغير المزاج فيه، وحتى ذلك الشعور الذي يأتي معه ولا أستطيع أن أفسره تماما.

ربما لأن الخريف يشبهني في شيء لا يحب الضجيج كثيرا، ولا يحتاج إلى أن يثبت وجوده. يأتي بهدوء، يغير الكثير، ثم يمضي.

وأنا، كلما جاء أشعر أنني أستعد لمرحلة جديدة.

أغلق ما استطعت من أبواب الماضي، وأترك بعضها موارباً للذكرى...

 

 


مشاهدات 24
الكاتب هدير الجبوري
أضيف 2026/09/21 - 1:11 PM
آخر تحديث 2026/09/22 - 12:43 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 123 الشهر 36704 الكلي 16569224
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/22 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير