مصير العراق في ظل قراره الضائع
قتيبة آل غصيبة
يقف العراق اليوم على مفترق طرق لم يعرف له مثيلًا منذ سقوط النظام السابق عام 2003، ليس
لأن التاريخ يكرر نفسه، بل لأن المعادلة الإقليمية التي كانت تحكم مصيره طوال العقدين الماضيين قد بدأت تتقوّض من أساسها. فالحرب الأمريكية على إيران التي اندلعت في شباط من هذه السنة، والتي أطلقت عليها واشنطن اسم «الغضب الملحمي»، لم تكن مجرد مواجهة عابرة بين قوتين إقليميتين ودوليتين، بل كانت زلزالًا أعاد ترتيب أولويات الجوار العراقي بأسره، وحوّل بغداد من طرف يدير توازناته الداخلية بحذر إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات لا يملك هو وحده مفاتيحها.
ولم يعد الحياد الذي تعلنه الحكومة العراقية خيارًا واقعيًا بقدر ما بات شعارًا تتوارى خلفه حقيقة أكثر تعقيدًا، من خلال «انخراط فعلي لفصائل مسلحة عراقية في مجريات الحرب» ، وإن كانت تعمل من خارج منظومة الحشد الشعبي رسميًا فإنها تتمتع بمظلته الأمنية والسياسية معًا، فهذا التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني هو بالضبط ما يفسر لماذا يبدو العراق اليوم وكأنه يُدار بمنطق ازدواجية لا تخفى على أحد، لا في واشنطن ولا في طهران ولا حتى في الرياض وعمّان والكويت.
وإن الضغط الأمريكي لم يعد يقتصر على البيانات الدبلوماسية أو التصريحات العابرة، بل تحوّل إلى مسار مؤسسي واضح المعالم. فمع الولاية الثانية للرئيس ترامب، انتقلت واشنطن من إدارة التوازنات العراقية والتعامل معها كأمر واقع إلى محاولة التأثير المباشر في شكل السلطة نفسها وحدود مشاركة القوى المرتبطة بإيران فيها، فقد صدرت مواقف صريحة من وزير الخارجية الأمريكي والقائم بأعمال السفارة في بغداد ضد إقرار قانون الحشد الشعفق؛ وضد مشاركة الفصائل المسلحة الموالية لإيران في الحكومة، ثم جاء تعيين مبعوث خاص للرئيس الأمريكي في العراق، وصولًا إلى خطوة لافتة تمثلت في رفض ترامب تكليف نوري المالكي بتشكيل الحكومة بعد انتخابات 2025، في إشارة لا تخطئها العين إلى أن واشنطن قررت أن تكون طرفًا فاعلًا في صياغة موازين القوى العراقية الداخلية، لا مجرد مراقب من بعيد.
قرار سيادي
ولا يخفى على أحد، فقد تجسّد هذا الضغط في أوضح صوره حين حدد رئيس الوزراء الجديد مهلة الثلاثين من أيلول المقبل موعدًا نهائيًا لحصر السلاح بيد الدولة، معلنًا أن بلاده لن تسمح لأي جهة بحمل السلاح خارج إطار الدولة بعد ذلك التاريخ. غير أن هذا الاستحقاق، الذي يبدو في ظاهره قرارًا سياديًا عراقيًا، هو في جوهره استجابة لضغط أمريكي مباشر، إذ نقلت مصادر مقربة من تيار أحد الزعماء السياسيين الكبار في العراق أن الأمريكيين طلبوا من رئيس الوزراء استخدام القوة العسكرية لحل الفصائل ونزع سلاحها، فيما يفضل رئيس الوزراء والإطار التنسيقي مسارًا تفاوضيًا يفضي إلى تسوية وطنية شاملة، تتمثل أبرز ملامحها في مقترح استحداث وزارة أمن اتحادي تستوعب الحشد الشعبي وقوات مكافحة الإرهاب معًا، بما يعني عمليًا إلغاء هيئة الحشد الشعبي بصيغتها الحالية دون تفكيك حقيقي لبنيتها العسكرية.
في المقابل، فإن طهران لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا الاستحقاق، فزيارة رئيس البرلمان الإيراني إلى بغداد قبل أيام قليلة، والتي حاول الإعلام الرسمي تصويرها بطابع برلماني بروتوكولي، كانت في الحقيقة تتمحور حول قضية أكثر إلحاحًا وحساسية، وهي : «مصير سلاح الفصائل المسلحة مع اقتراب الموعد الذي حددته الحكومة العراقية»، وتحدثت مصادر عراقية متطابقة عن أن الزيارة تجاوزت الشكل البرلماني المعلن لتركز على خطة إيرانية تهدف إلى «إخفاء» سلاح الفصائل لا تفكيكه فعليًا، وهي محاولة نموذجية تعكس استراتيجية طهران التاريخية في التكيف مع الضغوط بالمراوغة بدل المواجهة المباشرة، والحفاظ على أدوات نفوذها ولو بأثواب جديدة تتماشى ظاهريًا مع متطلبات «الدولة».
هذا التجاذب بين إرادتين خارجيتين لم يترك للعراق هامشًا كبيرًا للمناورة، بل إن الفصائل الأكثر تشددًا داخل المنظومة الموالية لإيران، ترفض صراحة البحث في سلاحها تحت أي ضغط أمريكي، في حين أعلنت فصائل أخرى استعدادها المبدئي للمضي في إجراءات الارتباط المباشر بمؤسسات الدولة، وهو تباين داخلي ينذر بانقسام حاد داخل هذه المنظومة المسلحة نفسها إذا ما حاولت الحكومة تطبيق قرار حصر السلاح بجدية فعلية بعد نهاية أيلول.
وجدير بالذكر فإن الأخطر من كل ذلك هو كلفة هذا التردد العراقي التي لم تعد تقتصر على الداخل، بل امتدت لتطال علاقات بغداد بجوارها العربي المباشر، فقد حذرت السعودية والأردن الحكومة العراقية من أن أي هجمات جديدة تشنها فصائل موالية لإيران من الأراضي العراقية ضد أراضيهما ستقابَل بضربات مباشرة على الأراضي العراقية نفسها، بحسب ما نقله مسؤول عراقي، فيما نقلت الكويت تحذيرًا مماثلًا، وأمام هذا المشهد، وجدت بغداد نفسها مضطرة للتعهد علنًا بالعمل على «إنهاء التصعيد، وإخضاع السلاح لسيطرة الدولة، وطمأنة الدول المعنية بشأن وجود الفصائل المسلحة»، بل طلبت الحكومة العراقية من الرياض مشاركة معلومات استخباراتية عن أي هجمات محتملة كي تتمكن القوات العراقية من التصدي لها.
معادلة إقليمية
وفي هذا السياق فإن ما يكشفه هذا المشهد المركّب هو أن العراق لم يعد يواجه ثنائية «المطرقة الأمريكية والسندان الإيراني» بمعناه التقليدي البسيط، بل بات الحلقة الأضعف في معادلة إقليمية أوسع، تتقاطع فيها إرادة أمريكية تسعى لإعادة تشكيل موازين القوى الداخلية في العراق بما يخدم مصالحها الاستراتيجية بعد الحرب، مع إرادة إيرانية تحاول الحفاظ على ما تبقى من مشروع «ولاية الفقيه» التوسعي في العراق عبر المراوغة والتكيف بدل الانسحاب. وبين هاتين الإرادتين، تبدو الدولة العراقية أشبه بكيان لم يُكمِل بعد بناء (رأسماله الاجتماعي الجامع) بخطاب واستراتيجية وطنية، بالمعنى الذي صاغه المفكر الأمريكي «فرنسيس فوكوياما» ، إذ يظل العراق عرضة لأن يُدار بقرارات لا تنبع بالضرورة من إرادة وطنية موحدة، بل من محصلة تجاذبات خارجية تتقاسم النفوذ داخل جسده السياسي والعسكري معًا.
ومع ذلك، فإن الإقرار بحجم هذا المأزق لا يعني أنه قدر لا مفر منه، فالخروج من هذه المتلازمة التي يرزح تحتها العراق منذ أكثر من عقدين ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب «قطيعة حقيقية مع منطق إدارة الأزمة بدل حلّها» . فالتجربة العراقية منذ 2003 تكشف أن كل محاولات «التوازن» بين واشنطن وطهران لم تكن سوى تأجيل مؤقت للاستحقاق الحقيقي: من هي الجهة التي تملك قرار الدولة؟.. وان الخروج الفعلي من هذا المأزق يبدأ من نقطة واحدة لا بديل عنها، وهي: (حصر السلاح والقرار الأمني بيد مؤسسات الدولة الدستورية فعلًا لا شكلًا) ، بما يقطع الطريق على أي محاولة لإعادة تدوير الفصائل المسلحة تحت مسميات جديدة كوزارة الأمن الاتحادي المقترحة، لأن أي حل توفيقي سيُبقي البنية العسكرية للفصائل قائمة؛ وسيكون مجرد تأجيل جديد للأزمة لا حلًا لها.
كما أن استعادة السيادة الوطنية تستدعي بناء «رأس المال الاجتماعي»، أي منظومة الثقة المتبادلة بين المكونات العراقية التي تشكل الأساس الحقيقي لأي دولة قوية ومستقرة، وهو رأس مال تبدد على مدى عقود بفعل الانقسام الطائفي والحزبي الذي استثمرت فيه القوى الخارجية طويلًا، ولا سبيل لاستعادته إلا عبر إصلاح سياسي داخلي حقيقي يعيد بناء الثقة بين المكونات، ويكسر منطق المحاصصة الذي أنتج دولة هشة قابلة للاختراق من الخارج. ولا يقل عن ذلك أهمية أن يعيد العراق تموضعه الاقتصادي بما يخفف تبعيته لكل القوى الخارجية، سواء عبر تنويع شركائه التجاريين والطاقويين، أو عبر الانفتاح الجاد على محيطه العربي، وهو انفتاح بدأت ملامحه تظهر في طلب الحكومة العراقية التنسيق الاستخباراتي مع الرياض، لكنه يحتاج أن يتحول إلى شراكة استراتيجية ثابتة لا خطوة ظرفية تمليها ضغوط اللحظة. وفي النهاية، فإن أي مشروع للخروج من هذه الحلقة المفرغة سيبقى منقوصًا ما لم يقترن بإرادة سياسية عراقية صادقة تضع المصلحة الوطنية العليا فوق حسابات الفصيل والحزب والولاء الخارجي، ذلك أن الدول التي تُدار بقرار خارجي لا تكف عن كونها ساحة إلا حين تملك هي نفسها زمام قرارها، لا حين يتفق الخصوم المتصارعون على حدود نفوذهم فيها.
والسؤال الذي سيحدد مصير العراق في الأشهر المقبلة ليس ما إذا كانت مهلة الثلاثين من أيلول ستمر بسلام أم لا، بل ما إذا كانت بغداد ستنجح، ولو مرة واحدة، في أن تحسم لنفسها من يملك قرار السلاح والسلم فعليًا: الدولة بمؤسساتها الدستورية، أم الفصيل المرتبط بعقيدة سياسية تتجاوز الحدود الوطنية أصلًا. فبين هذا وذاك، يبقى العراق، كما كان منذ عقدين، ساحة اختبار لصراع إرادات أكبر منه، لا صانعًا لمصيره الخاص.
والله المستعان...