المرشح الغائب
سعد العبيدي
اقترب موعد الانتخابات، فقرر الوطن الخروج من بيته والتمشي بين أهل العراق. ومن كثرة ما سمع اسمه في خطبهم واللافتات والصور المعلقة على الجدران، ظن أنهم جميعا يبحثون عنه، فمضى منتشيًا ليتفقد بنفسه أولئك الذين لا يكفون عن ذكره.
في أول شارع صادف المرشح سلمان. يقف فوق منصة صغيرة، يتحدث عن نفسه أكثر مما يتحدث عن أي شيء آخر. كلما ذكر إنجازًا أضاف إليه قليلًا من الزينة، وكلما ذكر منافسًا أنقص منه شيئًا. وَعدَ بنزع السلاح، وإنهاء الفساد، وتحقيق العدالة، وبناء المستقبل، وإصلاح الماضي، وربما تحسين الطقس إن اقتضت الحاجة.
اقترب منه الوطن وسأل:
- هل تبحث عني؟
لم يسمع سلمان السؤال. كان منهمكًا بالتقاط صورةٍ جديدة، وتوزيع شيءٍ من الكرم الانتخابي، فالتجربة الطويلة علّمته أن كيسًا صغيرًا قد يهزم برنامجًا انتخابيًا كاملًا.
واصل الوطن سيره بين الشوارع والمراكز. ظنّ للوهلة الأولى أن مشروعًا كبيرًا قد انطلق أخيرًا لخدمته، لكن ما إن رأى مسؤولًا حكوميًا يحشد الموظفين والسيارات والقاعات والخدمات، وقائدًا محررًا يمنح مقاتليه إجازاتٍ استثنائية ويهدد بحرمانهم من العلاوات إن اختاروا غير المجاهد الكبير، حتى أدرك أنه لم يكن المقصود بشيءٍ من الشعارات المرفوعة والوعود المكتوبة. عندها توقف وسأل:
أهذا من أجلي؟
لم يجبه أحد. كانوا مشغولين بتحويل كل ما تقع عليه أيديهم إلى أصواتٍ انتخابية.
المنطقة الخضراء
مشى أكثر، فوجد عبد الحسين حائرًا أمام صندوق الاقتراع.
- كيف ستختار؟ أجاب الرجل:
- كما اختار أبي وجدي ومن سبقهم.
- وهل كان الاختيار موفقًا؟
هز كتفيه وقال:
- لا أدري، لكنه على الأقل من الملّة.
ابتسم الوطن بحزن ومضى.
في زاوية أخرى، كان عبد القادر يختار مرشحه لأنه من المذهب نفسه، وكذلك فعل سردار.
توقف قليلًا وسأل: إن كان أحدهم قد فكر فيه شخصيًا.
نظروا إليه باستغراب، كأنهم يسمعون اسمه لأول مرة.
وجاء يوم التصويت.
وقف الوطن قرب مركز داخل المنطقة الخضراء يراقب المشهد:
بعض العاملين يؤدون واجبهم بأمانة، وبعضهم يفتش عن فرصة صغيرة يدفع بها ورقة هنا أو يعطل أخرى هناك. وأوراق اقتراع تتحرك أحيانًا أسرع من الضمير . ثم انتهى كل شيء.
اختفت الخطب. سكتت الوعود. غادر المرشحون، وبقيت الصور معلقة على الجدران والأعمدة والأبنية، كأنها آثار معركة لم ينتصر فيها أحد.
جلس الوطن في آخر الشارع متعبًا، بعد أن تحدث الجميع باسمه، وغنّوا له، وأقسموا بحبه، وتعهدوا بإنقاذه، ولم يفوا بوعودهم، ولم يسأله أحد ماذا يريد.
عندها أدرك أن مشكلته لم تكن في المرشحين وحدهم، ولا في الناخبين وحدهم، ولا في السياسيين وحدهم... مشكلته أن كثيرين أحبوا ما يمكن أن يأخذوه من الوطن، وقليلين فقط أحبوا الوطن نفسه. لذلك عاد إلى بيته ينتظر انتخاباتٍ أخرى، آملاً أن يأتي يوم لا يُستعمل فيه اسمه لكسب الأصوات، بل يُتخذ معيارًا لاختيار أصحابها.