إختيار رئيس الوزراء.. حين تغيب آلية الحسم
سامي العسكري
لم يعد الخلاف داخل الإطار التنسيقي على اسم المرشح فقط، بل على غياب آلية واضحة لحسم الخلافات في لحظة لا تحتمل التأجيل.
بعد انتخاب رئيس الجمهورية، دخلت العملية السياسية مرحلة جديدة لم يعد فيها مجال واسع للمناورة أو كسب الوقت. فالدستور وضع سقفاً زمنياً واضحاً لتكليف رئيس الوزراء، ما جعل القوى السياسية، وفي مقدمتها الإطار التنسيقي، تحت ضغط عامل الزمن.
لكن اجتماع الإطار الأخير كشف أن المشكلة لم تعد في تعدد الخيارات، بل في العجز عن حسمها.
تأجيل القرار… لا حل الأزمة
فشل اجتماع يوم الاثنين في التوصل إلى اتفاق على مرشح لرئاسة الوزراء، وتأجيل الحسم إلى اجتماع لاحق، لا يعكس فقط استمرار الخلاف، بل يكشف عن عمقه.
فهناك مجموعة عوامل تضغط على المجتمعين:
أولها، الاستحقاق الدستوري الذي لم يعد يسمح بإطالة أمد الخلاف.
وثانيها، حالة التردد المحيطة بترشيح نوري المالكي، التي تحولت إلى ما يشبه “تبادل انتظار” بينه وبين بقية القيادات.
فالمالكي لا يعلن انسحابه، ويفضل أن يأتي القرار من الآخرين،
بينما ينتظر الآخرون منه أن يخطو هذه الخطوة بنفسه.
وفي خلفية هذا المشهد، يقف عامل لا يريد أحد أن يعترف به صراحة:
الخوف من الظهور بمظهر الخاضع للضغوط الخارجية، خصوصاً الأميركية، رغم أن مجرد البحث عن بدائل يعكس عملياً تراجع الدعم للترشيح القائم.
المشكلة الأعمق… غياب آلية الحسم
غير أن كل هذه التعقيدات تخفي مشكلة أعمق:
الإطار التنسيقي، رغم كونه يمثل الكتلة الأكبر داخل البرلمان، لا يمتلك آلية واضحة وملزمة لحسم الخلافات بين مكوناته.
وهذا ما يجعل كل قرار كبير عرضة للمساومات الطويلة، بدل أن يكون نتيجة عملية مؤسسية واضحة.
فالمساواة الشكلية بين القيادات، دون الأخذ بنظر الاعتبار حجم التمثيل البرلماني لكل طرف، لا تحقق العدالة، بل تعطل القرار.
كما أن غياب قواعد محددة للاحتكام عند الخلاف، يجعل كل أزمة قابلة للتكرار.
تجربة سابقة… ودلالة مهمة
هذه ليست المرة الأولى التي تصل فيها القيادات الشيعية إلى نقطة انسداد مشابهة.
ففي عام 2006، واجهت القوى نفسها أزمة حادة بين مرشحيها، مع إصرار كل طرف على موقفه. لكن ما حسم الخلاف يومها لم يكن توافقاً سياسياً تقليدياً، بل اللجوء إلى آلية تصويت داخلية بين أعضاء البرلمان المنتمين للائتلاف.
كانت تلك خطوة مهمة، لأنها نقلت القرار من دائرة القيادات إلى دائرة التمثيل، وربطت الحسم بوزن كل طرف داخل المؤسسة التشريعية.
هل يعود الإطار إلى منطق المؤسسة؟
اليوم، يمكن للإطار التنسيقي أن يستعيد تلك التجربة، أو يطورها، من خلال طرح المرشحين للتصويت بين نوابه، بحيث يُحسم الخيار وفق قاعدة واضحة وشفافة.
مثل هذه الخطوة لا تحل الأزمة الحالية فقط، بل تؤسس لآلية دائمة لإدارة الخلافات.
أما استمرار الوضع الحالي، فسيعني:
مزيداً من التأجيل،
ومزيداً من الضغوط،
ومزيداً من إضعاف صورة الإطار كقوة قادرة على اتخاذ القرار.
من أزمة قرار إلى حكومة ضعيفة
المشكلة لا تتوقف عند تأخر الحسم، بل تمتد إلى طبيعة النتيجة التي قد يفرزها هذا التأخر.
فحين تغيب آليات الحسم، غالباً ما يكون المخرج هو مرشح تسوية، لا مرشح قرار.
ومرشحو التسويات، بطبيعتهم، يصلون نتيجة توازنات دقيقة لا تسمح لهم بامتلاك هامش واسع للمبادرة، ما يجعلهم أكثر ميلاً لإدارة التوازنات بدل قيادة الدولة.
وهنا تكمن الخطورة.
فالعراق لا يمر بمرحلة عادية يمكن أن تُدار بحلول وسط،
بل يواجه تحديات داخلية وخارجية تتطلب حكومة قوية، ورئيس وزراء يمتلك وضوحاً في الرؤية وقدرة على اتخاذ القرار.
الخلاصة
العراق اليوم لا يواجه فقط تحدي اختيار رئيس وزراء،
بل يواجه اختبار قدرته على بناء آلية قرار حقيقية داخل قواه السياسية.
فالأزمات لا تنشأ فقط من تضارب المصالح،
بل من غياب القواعد التي تنظم هذا التضارب.
وقد ينجح الإطار في إنتاج تسوية جديدة،
لكن التحدي الحقيقي ليس في الوصول إلى اتفاق،
بل في نوع الاتفاق الذي يتم الوصول إليه.
وفي السياسة، ليست المشكلة في وجود الخلاف… بل في غياب الطريقة التي يُحسم بها، لأن القرارات الضعيفة لا تنتج إلا دولاً أضعف.
□ كاتب عراقي مهتم بقضايا الدولة