الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
القراءة الخاطئةِ للمواقفِ- خسائر الدول

بواسطة azzaman

القراءة الخاطئةِ للمواقفِ- خسائر الدول

محمد خضير الانباري

 

إنَ القراءةَ الخطأَ للواقعِ كثيرا ما تفضي إلى تضليلِ الدولِ والأفرادِ عندَ محاولةِ استشرافِ المستقبل؛ إذْ تبنى التوقعاتِ على تصوراتٍ سطحيةٍ لا تستندُ إلى تحليلٍ عميقٍ للوقائعِ والمعطياتِ وحينِ تنكشفُ الأحداثُ على حقيقتها، يفاجأ أصحابُ تلكَ الرؤى بنتائجَ لمْ يحسبوا حسابها، فتكونُ الخسائرُ فادحة، ولا سيما في أزمنةِ الحروبِ أوْ عندَ وضعِ الخططِ الاقتصاديةِ التي تعتمدُ على إيراداتٍ متوقعةٍ منْ التصديرِ أوْ الضرائبِ والرسوم. كثير يخططونَ بعقليةٍ منْ يظنُ نفسهُ خبيرا اقتصاديا فذا، فتشيدُ الخططُ على افتراضاتٍ متفائلة، كانَ يبني برنامج تنمويٍ كاملٍ على توقعِ بقاءِ سعرِ النفطِ فوقَ سقفٍ معين، فتزدحمُ المؤسساتُ بالمشاريعِ والبرامج، ثمَ يفاجئهمْ الواقعُ بانخفاضِ الأسعارِ إلى ما دونَ التوقعات. عندها تبدأُ دوامةَ الاستدانة، داخليا وخارجيا، لسدِ العجزِ والوفاءِ بالالتزامات، فتتعقدُ الأزمةُ بدلَ أنْ تحل.

 منْ هنا، يصبح الاحتكامُ إلى الحساباتِ الدقيقةِ ضرورةً لا ترفا، كما تبرزُ أهميةَ إشراكِ مختلفِ الأطرافِ والاستعانةِ بأهلِ الاختصاصِ منْ علماءَ وخبراء، بلْ وحتى بالخبراتِ الأجنبيةِ إنْ لزمَ الأمر. ولا يكفي الاتكالُ على محللينَ يتنقلونَ بينُ الشاشاتِ يطلقونَ توقعاتٌ لا تتجاوزُ حدودَ الظن، تشبهَ في بعضِ وجوهها تنبؤاتٍ منْ يكثرونَ منْ إطلاقِ المواعيدِ والإنذاراتِ بلا سندٍ علمي، فينساقُ وراءهمْ البعضَ بدافعِ الخوفِ أوْ العاطفة، ثمَ يتبينُ لاحقا أنَ الأمرَ لمْ يكنْ سوى وهمٍ أوْ قراءةٍ متعجلة.

إنَ القراراتِ المصيرية، سواءً في ميادينِ الحربِ أوْ في إدارةِ الاقتصاد، لا يجوزُ أنْ تتخذَ بقرارٍ فرديٍ مهمٍ علا شأنُ صاحبهِ، فمثلَ هذهِ القراراتِ تتطلبُ مشاورةَ جهاتٍ متعددة، وعقدَ لقاءاتِ تجمعِ أهلِ الخبرةِ والاختصاصِ لبحثِ الخياراتِ والبدائلِ قبلَ الإقدامِ على الخطوةِ الصعبة، فالتقديرُ الخاطئُ قدْ يجرُ الشعوبُ إلى مساراتٍ تهدمُ الأوطانُ وتدخلها في دواماتٍ يصعبُ الخروجُ منها. وكمْ منْ متحمسٍ اندفعَ وراءَ حماستهِ دونَ أنْ يتأملَ عواقبَ الأمور، فكانتْ النتائجُ كارثية. لذلكَ تبقى الاستشارةَ الصادقةَ هيَ المصفاةُ الحقيقيةُ لأيِ قرارِ رشيد، شريطةُ أنْ تصدرَ عنْ عقولٍ ناضجةٍ لا عنْ أصحابِ الادعاءِ والمظاهرِ الخادعة، ممنْ يملؤونَ الشاشاتُ حضورا ويخلو خطابهمْ منْ العمقِ والمعنى. لذلك يتطلب من العقلاء، التروي في رؤياهم وخططهمْ قبلَ أنْ تستفحلَ النتائجُ. فكمْ منْ قرارٍ متعجلٍ أوقعَ الناسُ في الندم. لقدْ زخرتْ أمثالنا الشعبيةَ بحكمٍ تؤكدُ قيمةَ التريثِ والشورى وحسنِ التدبير؛ والمثلُ القائل: (قبلُ أنْ تقعَ الفأسُ في الرأس) يحضُ على استباقِ الأخطارِ قبلَ استفحالها أما خسارةُ منْ يجهلُ التدبير، فقدْ عبرَ عنها المثلُ ببلاغة: ( الما يعرفُ تدابيره، حنطتهُ تأكلَ شعيرهُ ) ، في إشارةٍ إلى أنَ سوءَ الإدارةِ يبددُ الخيراتِ ويضيعُ الفرص، وهكذا يظلُ التأني حكمة، والشورى نجاة، وحسنَ التدبيرِ صمامَ أمانٍ للأوطانِ والعباد، ولكن يظلّ القرآنُ الكريمُ منبرنا العمليُ ومنهجنا القويمُ في إدارةِ شؤوننا، كما في قولهِ تعالى: (وشاورهمْ في الأمر) آلِ عمران،: 159، وقولهُ تعالى: (وأمرهمْ شورى بينهم) الشورى: 38.


مشاهدات 38
الكاتب محمد خضير الانباري
أضيف 2026/02/17 - 3:19 PM
آخر تحديث 2026/02/18 - 1:30 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 77 الشهر 13683 الكلي 13945327
الوقت الآن
الأربعاء 2026/2/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير